محمود محمود الغراب
85
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
طينتك ومائك ، فتركته عنده ، فلما وصلت إلى ركن النار ، قيل : قد جاء الفخار ، فقيل : وقد بعث إليه ، قيل : نعم ، قيل : ومن معه ، قال : جبريل الجبر ، فهو مضطر في رحلته ومفارقة بنيته ، فقال لي : عنده في نشأته جزء مني لا أتركه معه ، إذ قد وصل إلى الحضرة التي يظهر فيها ملكي واقتداري ونفوذ تصرفي ، فنفذت إلى السماء الأولى وما بقي معي من نشأتي البدنية شيء أعول عليه ، ولا أنظر إليه ، فسلمت على والدي ، وسألني عن تربتي ، فقلت له : إن الأرض أخذت مني جزأها ، وحينئذ خرجت عنها وعن الماء بطينتي ، فقال لي : يا ولدي هكذا جرى لها مع أبيك ، فمن طلب حقه فما تعدّى ، ولا سيما وأنت لها مفارق ، ولا تعرف هل ترجع إليها أم لا ؟ فإنه تعالى يقول ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ولا يعلم أحد ما في مشيئة الحق إلا أن يعلمه الحق بذلك ، فالتفت فإذا أنا بين يديه ، وعن يمينه من نسم بنيه عيني ، فقلت له : هذا أنا ؛ فضحك ، فقلت له : فأنا بين يديك وعن يمينك ؛ قال : نعم هكذا رأيت نفسي بين يدي الحق حين بسط يده ، فرأيتني وبني في اليد ، ورأيتني بين يديه ، فقلت له : فما كان في اليد الأخرى المقبوضة ؟ قال : العالم ؛ قلت له : فيمين الحق تقضي بتعيين السعادة ؛ فقال : نعم تقضي بالسعادة ، فقلت : فقد فرق الحق لنا بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فقال لي : يا ولدي ذلك يمين أبيك وشماله ، ألا ترى نسم بنيّ على يميني وعلى شمالي ، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، فبنيّ في يميني وفي شمالي ، وأنا وبنيّ في يمين الحق ، وما سوانا من العالم في اليد الأخرى الإلهية ، قلت فإذا لا نشقى ، فقال : لو دام الغضب لدام الشقاء ، فالسعادة دائمة وإن اختلف المسكن ، فإن اللّه جاعل في كل دار ، ما يكون به نعيم أهل تلك الدار ، فلا بد من عمارة الدارين ، وقد انتهى الغضب في يوم العرض الأكبر ، وأمر بإقامة الحدود فأقيمت ، وإذا أقيمت زال الغضب ، فإن الرسالة تزيله ، فهو عين إقامة الحدود على المغضوب عليه ، فلم يبق إلا الرضا ، وهو الرحمة التي وسعت كل شي ، فإذا انتهت الحدود ، صار الحكم للرحمة العامة في العموم ، فأفادني أبي آدم هذا العلم ، ولم أكن به خبيرا ، فكان لي ذلك بشرى معجلة إلهية في الحياة الدنيا ، وتنتهي القيامة بالزمان ، كما قال اللّه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وهذه مدة إقامة الحدود ، ويرجع الحكم بعد انقضاء هذه المدة إلى الرحمن الرحيم ، وللرحمن الأسماء الحسنى ، وهي حسنى لمن تتوجه عليه بالحكم ،